جلال الدين السيوطي

81

معترك الاقران في اعجاز القرآن

موحّدى ؛ . . . آدم قصد شجرة وفيها للعدو نصيب ، فأصابه من الذلّ والمحن والخروج من الجوار ما أصابه . والشجرة التي هي في موضع نظري ومقام معرفتي إذا قصدها الشيطان أتراني أسلمها له ، وأنا أنظر إليها كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة لحرمتها ؛ أفترانى أسلمها للشيطان إذا قصدها ! بل أطرده وأكافئه كما كافأت آدم ، حين قصد شجرة فيها للعدو نصيب أخرجته منها لنصيبه ، والشجرة التي هي نصيبي أكافئه بأن أضع ذنوبك على عنقه ، وأدخلك الجنة لنصيبى فيك . فإن قلت : قد اختلفت الألفاظ في قصة موسى ؛ ففي موضع قال : آتاها ، وفي موضع : جاءها . وفي آية « 1 » : « إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » . وفي آية : « إِنِّي أَنَا اللَّهُ » ؟ فالجواب إن لفظ جاء وأتى بمعنى واحد ، لكن كثر هنا لفظ الإتيان ؛ نحو : فأتياه ، فلنأتينّك ، ثم أتى ، ثم ائتوا صفّا . وكثر في النمل لفظ جاء ، نحو : فلما جاءهم . وجئتك من سبأ . فلما جاء سليمان . وإنما أبرز الضمير في هذه الآية بقوله : ربك ؛ لأنه خاطبه مرّتين ، كل مرة بما يليق به ؛ ففي الأولى أظهر له النعم في إنجائه من فرعون ، وتحنّن شعيب له ، وإكرامه بالكلام . فلما تأنّس وزالت عنه الدهشة خاطبه بالألوهية المشعرة بالخوف من هذا الاسم العظيم . فسبحان اللطيف بعباده ، المنعم عليهم بنعمه : خلقهم بلا مثل ، وصورهم بلا مشاورة ، وريّاهم بلا قوة ، وهداهم بلا شفاعة ، ورزقهم بلا دعوة ، وأمرضهم بلا واسطة ، وشفاهم بلا دواء ، وأماتهم بالعدل ، وأحياهم بالقدرة ، وغفر لهم بالرحمة .

--> ( 1 ) طه : 12